27/03/2022
بسم الله الرحمن الرحيم
تطور النظام الضريبي الحديث في السودان
عبد القادر احمد عثمان - خبير ضرائب
تعود بداية تطبيق الضرائب الحديثة في السودان الي بدايات القرن الماضي.فبعد احتلال السودان بواسطة الحكم الثنائي البريطاني المصري في 1898 م تم توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر والتي نصت علي ان تتولى الحكومة المصرية سداد اي عجز في ميزانية الحكم الثنائي في السودان (د.علي احمد سليمان - الضرائب في السودان). التزمت الحكومة المصرية بهذا الامر لعدة سنوات ولكن بعد ان بدأ العجز في التزايد نسبة لزيادة نفقات حكم السودان ابدت الحكومة المصرية تذمرها من سداده واعلنت للشريك البريطاني نيتها في التوقف عن السداد. لهذا فكرت ادارة حكومة السودان وقتها في ايجاد مصادر ايرادات جديدة. وكان ان صدر قانون ضريبة الارباح لسنة 1913 وكان هذا اول قانون ضرائب حديث يصدر في السودان.
فرض القانون الضريبة علي الشركات ووكلاء الشركات الاجنبية في السودان وكذلك التجار الاجانب والمحليين.وتعتبر هذه بداية فرض ضريبة الدخل في السودان. الغي هذا القانون ليحل محله قانون رخص التجار وضرائب ارباح الاعمال لسنة 1926م . ويعتبر هذا القانون هو النواة الاولى التي بنيت عليها قوانين ضرائب الدخل المتعددة التي اتت بعده. أدخل هذا القانون فئات الضريبة التصاعدية علي الدخل والتي تعمل علي زيادة الضريبة كلما زاد الدخل. وقد تراوت فئات الضريبة فيه من 12% كحد أدنى الي 40% كحد أعلى.
عدل قانون 1926 عدة مرات لكنه ظل ساريا حتى بداية الستينات من القرن الماضي حيث فرضت الضريبة علي الدخل الشخصي (المرتبات والاجور وما في حكمها) ودخل ايجار العقارات وذلك بقانونين منفصلين في عام 1964 م. وفي عام 1967 تم توحيد ضرائب الدخل الثلاث - ارباح الاعمال والدخل الشخصي ودخل ايجار العقارات - في قانون واحد هو قانون ضريبة الدخل لسنة 1967 م. وفي عام 1968 فرضت ضريبة (رسم) الدمغة لأول مرة.
في عام 1971 الغي قانون ضريبة الدخل لسنة 1967 م وصدر بدلا عنه قانون ضريبة الدخل لسنة 1971 م .وكان الهدف الاساسي من اصدار القانون الجديد هو توحيد ادارة الضرائب تحت جهة واحدة هي مصلحة الضرائب بدلا عن تقاسم هذه الادارة مع سلطات الحكم المحلي كما كان ينص قانون 1967 م.
وفي خطوة لتوسيع مصادر الايرادات الضريبية تم فرض الضريبة علي الارباح الرأسمالية علي مبيعات الاراضي والعقارات وذلك بقانون ضريبة الارباح الرأسمالية لسنة 1974م.
واستمرارا لسعي الحكومة في توسيع مصادر الايرادات قامت الحكومة بفرض ضريبة علي مبيعات السلع والخدمات وذلك بقانون ضريبة المبيعات لسنة 1980م.وقد صدر القانون بفرض ضريبة علي بعض السلع والخدمات المنتقاة والتي حددها القانون بالنص. لهذا فان هذا القانون يوصف بانه قانون ضريبة مبيعات انتقائي (selectve) عكس قانون ضريبة القيمة المضافة الحالي والذي يفرض الضريبة علي مبيعات كل السلع والخدمات الا التي يصتثنيها القانون بالنص. وهو بالتالي يكون قانون شامل (comprehensive) . وعلي كل حال فقد كان قانون ضريبة المبيعات المذكور هو الذي مهد الطريق فيما بعد لصدور قانون ضريبة القيمة المضافة.
لقد وضح جليا منذ بداية الثمانينات إن نظام الضرائب المباشرة والتي تتولى إدارتها مصلحة الضرائب في ذلك الوقت يعاني من مأزق كبير يتمثل أساساً في عدم قدرة النظام – خاصة ضرائب أرباح الأعمال – في توسيع قاعدتها الضريبية مما أدى إلي أن يقع عبء هذه الضرائب على شرائح محدودة من القطاع الحضري الحديث والذين يمثلون فعلا أنشط العناصر المؤثرة في الاقتصاد. هذا بالإضافة إلي أن فئة الضريبة العالية والتي كانت تصل إلي 60% في ذلك الوقت أدت إلي زيادة التهرب الضريبي والذي ساعد على تفشيه أكثر ضعف الإدارة الضريبية في ذلك الوقت وقلة مواردها.
كان أول من نبه لهذا الوضع بعثة لصندوق النقد الدولي زارت البلاد في أوائل الثمانينيات برئاسة السيد/ فيتو تانزي وهو خبير مرموق في السياسات المالية, وقد أوصت هذه اللجنة بزيادة فاعلية الإدارة الضريبية بما يؤدي إلي زيادة الإيرادات وذلك بتوسيع القاعدة الضريبية وإدخال البطاقة الضريبية لإحكام جمع المعلومات من كافة الأنشطة الضريبية. ومن جانبها فقد قامت الحكومة,في أواخر 1981, وفي إطار بحثها المستميت عن مصادر إيرادات جديدة بفرض الضريبة لأول مرة على السودانيين العاملين بالخارج والتي كان يعتقد في حينها بأنها ستدر إيرادات ضخمة نسبة لضخامة حجم العمالة السودانية بالخارج.كما تم في 1983 تكوين لجنة الإصلاح الضريبي برئاسة المرحوم منصور محجوب وزير المالية الأسبق, وكان من أهم توصيات اللجنة العمل على إدخال نظام الخصم والإضافة لزيادة التحصيل وإحكام جمع المعلومات.كما أوصت أيضا بتوسيع نظام البطاقة الضريبية ليشمل إلزام شركات ومصانع القطاع الخاص وتجار الجملة لطلب البطاقة الضريبية كشرط لإتمام التعامل مع عملائهم.
وحتى نهاية الثمانينيات فقد كان النظام الضريبي يعانى من عدة عيوب كان من أهمها عدم قدرته على زيادة القاعدة الضريبية بصورة فعالة,وبالتالي فان أي زيادة في إيرادات الضرائب كانت تأتي أساسا من الحلقة الضيقة التي أوقعها القدر تحت قبضتها. ومع ازدياد العجز في الموازنة العامة بصورة مضطردة نسبة لزيادة الاستيراد وتراجع الصادر وزيادة الإنفاق الحكومي لظروف الحرب وخلافه, مع محدودية الإيرادات الضريبية عامة,كان يتحتم على الحكومة إيجاد مصادر جديدة للإيرادات تساعد على تخفيض هذا العجز.كما إن الحكومة كانت مواجهة بتخفيضات مؤثرة في الجمارك نتيجة للاتفاقات التي أبرمتها مع مجموعة الكوميسا والوحدة الاقتصادية العربية بالإضافة إلي سعيها للانضمام إلي منظمة التجارة العالمية.
تم تكوين لجنة الإصلاح الضريبي لسنة 1993 برئاسة د.عزالدين إبراهيم الخبير الاقتصادي المعروف وذلك للنظر في إصلاح النظام الضريبي بما يؤدي إلي زيادة الإيرادات مع تحقيق العدالة.وبالرغم من أن اللجنة ركزت دراساتها ومداولاتها حول إصلاح الضرائب القائمة فعلا ,إلا أنها أفردت حيزا مقدرا لإيجاد بدائل إيرادات جديدة.وكان من أهم ما ناقشته قضية تطبيق ضريبة القيمة المضافة.لهذا أصدرت اللجنة توصيتها رقم 113 (من مجموع 114 توصية) والتي نادت بالنظر في تطبيق الضريبة على القيمة المضافة بعد ثلاثة سنوات. وكانت هذه أول مرة يشار فيها بالإسم لهذه الضريبة في تاريخ النظام الضريبي السوداني.إلا انه لا الحكومة ولا الإدارة الضريبية لم يأخذا الأمر بالجدية المطلوبة في ذلك الوقت.وشهدت فترة التسعينيات هوجة ما سمي بتحرير الاقتصاد السوداني مما أدى إلي نشؤ تضخم صار جامحا بالفعل في منتصف التسعينيات وما بعده بقليل.وهذا بدوره أدي إلي تآكل الإيرادات الضريبية للدولة,خاصة ضريبة أرباح الأعمال والتي كانت تحصل بعد أكثر من عام من تحقق الدخل الخاضع للضريبة.والوضع هكذا, كان لابد من إيجاد مصادر إيرادية جديدة تعين النظام الضريبي في تجاوز هذه التحديات الصعبة.وكانت التوصية رقم 113 من توصيات لجنة الإصلاح الضريبي أل 114 هي المنقذ الموعود.
وهكذا صدر قانون الضريبة علي القيمة المضافة لسنة 2001م وبدء تطبيقه ابتداء من يوليو من نفس العام. ولقد اثبتت ضريبة القيمة المضافة انها المنقذ الحقيقي والفعال لزيادة الايرادات الضريبية. بل اصبحت ايرادات هذه الضريبة تمثل اكثر من 50% من مجمل ايرادات ديوان الضرائب من كل الضرائب الاخرى مجتمعة.
وفي اعتقادي ان النجاح الباهر الذي حققته ايرادات ضريبة القيمة المضافة قد ادى الي عدم الاهتمام كثيرا بتطوير الضرائب الاخرى التي يديرها ديوان الضرائب. فرغم لجان الاصلاح الضريبي العديدة التي كونت منذ تسعينيات القرن الماضي فانني لا ارى اصلاحا مؤثرا قد تم في تلك الضرائب. ومع ازدياد نسب التهرب من الضرائب وازدياد انشطة الاقتصاد غير الرسمي وظهور انماط جديدة لأداء الاعمال مثل التجارة الاكترونية ومع انفتاح السودان حاليا علي الاقتصاد العالمي والاستثمار الاجنبي فان الاصلاح الشامل والفعال لنظام الضرائب في السودان اصبح امرا لا مفر منه.