المحاسبة فن وعلم

المحاسبة فن وعلم ان المحاسبة فن وعلم وهي لغة المال والاعمال وبما تحتاجه من دقة عمل وصبر للعامل بها فهي البحث عن خفايا العمل من بين الارقام والبيانات

المحاسبة المالية
المحاسبة الادارية
الادارة المالية
التدقيق و المراجعة

26/08/2026

الخلط بين الربحية والملاءة والسيولة ليس خطأً فنيًا بسيطًا؛ بل هو خلل في تشخيص جوهر المخاطر المالية، قد يقود الإدارة والمراقب والجهة الرقابية إلى قرارات خاطئة، أو إلى التدخل بعد أن يكون الوقت قد فات.
فقد تكون المنشأة رابحة لكنها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل، وقد تكون سائلة في لحظة معينة لكنها تعاني ضعفًا هيكليًا في الملاءة، كما أن ارتفاع حقوق الملكية لا يعني بالضرورة توافر النقد.
الربحية تقيس قدرة النشاط على توليد العائد، والسيولة تقيس القدرة على الوفاء بالالتزامات في مواعيد استحقاقها، أما الملاءة فتختبر قدرة المنشأة على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها على المدى الطويل.
ومن هنا تبدأ مهنية التحليل المالي: ليس بالسؤال «كم ربحت المنشأة؟»، وإنما بالسؤال الأعمق: من أين جاءت الأرباح؟ وما طبيعة الأصول التي تقابلها؟ وهل تحولت الأرباح إلى تدفقات نقدية؟ وهل تكفي قاعدة رأس المال لامتصاص الخسائر؟
فالأرقام قد تقول إن المنشأة رابحة، بينما تقول قائمة التدفقات النقدية إنها تختنق، وتقول مؤشرات الملاءة إن رأس المال يقترب من منطقة الخطر.
ولهذا فإن الرقابة المالية الرصينة لا تنتظر ظهور العجز النقدي حتى تكتشف مشكلة الملاءة، ولا تعتبر الأرباح دليلًا كافيًا على السلامة المالية.
فالربح قد يجمّل القوائم، والسيولة قد تؤجل الأزمة، لكن الملاءة هي التي تكشف قدرة المنشأة على البقاء.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

الاستدامة حكم مهني، لا عملية حسابيةالمحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز لا يمكن اختزال استدامة الأرباح في معادلة أو نسبة...
26/08/2026

الاستدامة حكم مهني، لا عملية حسابية
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
لا يمكن اختزال استدامة الأرباح في معادلة أو نسبة واحدة، ذلك أنها بطبيعتها قرار تقييمي مركّب، يقوم على وزن نوعي لعدة محاور متشابكة، لا على قياس كمي منفرد :
- جودة مصدر الإيراد: هل ينشأ من طلب أساسي متكرر، أم من صفقات ذات طابع استثنائي؟
- متانة العلاقة مع العملاء: درجة تركّز المحفظة، ومعدلات الاحتفاظ، وآجال العقود وشروط تجديدها.
- سلوك الأسعار والهوامش: هل الهامش نتاج ميزة تنافسية دائمة، أم انعكاس لظرف سوقي عابر (نقص عرض، دعم مؤقت، تكلفة مدخلات استثنائياً منخفضة)؟
- مرونة هيكل التكاليف: القدرة على امتصاص الصدمات دون تآكل الربحية الجوهرية.
- كثافة إعادة الاستثمار: حجم الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي اللازم فعلياً لإدامة القدرة التوليدية للأرباح، وليس فقط للحفاظ على الشكل المحاسبي للنمو.
- البنية التنافسية والتنظيمية: شدة الضغط التنافسي، وحساسية النموذج لتغير الأطر الرقابية أو التشريعية.
- درجة الاعتماد على عوامل غير مؤسسية: كأشخاص بعينهم، أو علاقات فردية، أو ظروف سوقية استثنائية لا تُبنى عليها استمرارية موثوقة.
هذه الأبعاد لا تُختبر بمعزل بعضها عن بعض، ولا يُعتد بأي منها منفرداً كمحدِّد نهائي. فالحكم المهني هنا وظيفته التركيب لا الجمع: قراءة هذه المؤشرات في سياق واحد متكامل، للوصول إلى إجابة عن سؤال جوهري واحد هل يمثل هذا المستوى من الربحية قدرة توليدية قابلة للتكرار، أم أنه محض انعكاس لظرف لحظي** لا يصلح أساساً موثوقاً لأي حكم مستقبلي؟

الدخل المستدام ليس الربح المتكرر، بل الأداء الاقتصادي القابل لإعادة الإنتاج. وهذا الأداء تصنعه محفظة الأنشطة لا قائمة ال...
18/08/2026

الدخل المستدام ليس الربح المتكرر، بل الأداء الاقتصادي القابل لإعادة الإنتاج. وهذا الأداء تصنعه محفظة الأنشطة لا قائمة الدخل وحدها. فالنشاط الأعلى ربحًا ليس بالضرورة الأعلى قيمة؛ فقد يكون أكثر تقلبًا، أو أكثر استهلاكًا لرأس المال، أو أقل قدرة على توليد النقد.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

الأهمية النسبية في صورتها الناضجة ليست رقم يثبت في بداية عملية التدقيق، وإنما هي نتيجة لمسار من التفكير يبدأ بفهم المستخ...
16/08/2026

الأهمية النسبية في صورتها الناضجة ليست رقم يثبت في بداية عملية التدقيق، وإنما هي نتيجة لمسار من التفكير يبدأ بفهم المستخدمين والمنشأة، ويمر باختيار مقياس أساس Benchmark ذي دلالة، وتقدير النسبة المناسبة، واختبار النتيجة في ضوء المخاطر والعوامل النوعية، ثم ترجمة ذلك الحكم إلى التخطيط والتنفيذ وتقييم التحريفات.
لهذا فإن جوهر الأهمية النسبية القائمة على النتيجة Result- based Materiality (RM) ليس أن مراقب الحسابات أخذ 5% من الربح قبل الضريبة EBT ، وإنما أنه استطاع أن يبرهن أن الربح قبل الضريبة هو المقياس الأساس المناسب، وأن النسبة المختارة قابلة للتبرير، وأن الناتج معقول في ضوء ظروف المهمة.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

المدقق لا يرى "الحقيقة المحاسبية" مباشرة. إنه يستدل عليها من أدلة قد تكون ناقصة، أو متفاوتة القوة، أو متعارضة، ومن تقدير...
15/08/2026

المدقق لا يرى "الحقيقة المحاسبية" مباشرة. إنه يستدل عليها من أدلة قد تكون ناقصة، أو متفاوتة القوة، أو متعارضة، ومن تقديرات وافتراضات ومعاملات معقدة ومعلومات غير متماثلة. ولذلك فإن مخاطر التدقيق ليست مجرد احتمال لوجود خطأ؛ إنها في جوهرها مشكلة معرفية :
إلى أي مدى يمكن للمدقق أن يثق باستنتاجه عندما تكون معرفته بالواقع محدودة؟
المحاسب القانوتي الدكتور محمد القزاز

15/08/2026

التدقيق علم تخصيص موارد محدودة لمواجهة مخاطر غير مؤكدة، وتحويل الأدلة المحدودة إلى حكم مهني يمكن الدفاع عنه.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

حين تتكلم الرياضيات بلغة التدقيق: المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز في التدقيق، تبدو بعض المعادلات صغيرة إلى حد الخدا...
15/08/2026

حين تتكلم الرياضيات بلغة التدقيق:
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
في التدقيق، تبدو بعض المعادلات صغيرة إلى حد الخداع.
AR = IR × CR × DR
● مخاطر التدقيق AR
● مخاطر ضمنية ( متاصلة/ طبيعبة) IR
● مخاطر الرقابة CR
● مخاطر الاكتشاف DR
ثلاثة رموز، لكنها تختصر مشكلة مهنية عميقة :
كيف يتخذ المدقق قرارًا معقولًا في بيئة لا يستطيع فيها أن يعرف كل شيء، ولا أن يفحص كل شيء، ولا أن يجعل احتمال الخطأ مساويًا للصفر؟
قبل أن نفكك المعادلة، لا بد أن نتفق على ما تقيسه فعلًا. المخاطر الملازمة (IR) هي قابلية وجود تحريف جوهري في حساب أو معاملة، بحكم طبيعة النشاط نفسه، قبل أي رقابة تعالجه. مخاطر الرقابة (CR) هي احتمال ألا يمنع نظام الضبط الداخلي هذا التحريف أو يكتشفه في وقته. مخاطر عدم الاكتشاف (DR) هي احتمال ألا تلتقط إجراءات المدقق نفسه التحريف الذي تجاوز الرقابة، وهي المتغير الوحيد الذي يتحكم به المدقق مباشرة.
أما مخاطر التدقيق (AR) فهي احتمال أن يصدر رأيًا غير مناسب بينما القوائم المالية تحمل تحريفًا جوهريًا. هذا التصنيف ليس تجريدًا أكاديميًا؛ هو الأساس الذي بُنيت عليه معايير التدقيق الدولية، وتحديدًا ISA 200 في تعريفه لمخاطر التدقيق، وISA 315 في توجيهه لتقييم المخاطر عبر فهم المنشأة وبيئتها الرقابية.
التدقيق في جوهره ليس بحثًا عن اليقين، لأن اليقين الكامل غير متاح في بيئة اقتصادية تتكون من تقديرات وافتراضات ومعاملات معقدة ومعلومات غير متماثلة. المدقق لا يرى "الحقيقة المحاسبية" مباشرة؛ بل يستدل عليها من مجموعة من الأدلة التي قد تكون ناقصة أو متعارضة أو متفاوتة القوة. ولذلك فإن مخاطر التدقيق ليست مجرد احتمال لوجود خطأ، بل هي مشكلة معرفية: إلى أي حد يمكن للمدقق أن يثق باستنتاجه عندما تكون معرفته بالواقع محدودة؟
هنا لا تكون الرياضيات زينة للمعادلة؛ بل تكشف بنيتها المنطقية. في التطبيق العملي، كثيرًا ما يُدمج IR وCR في مفهوم واحد:
● مخاطر الاخطاء الجوهرية RMM = IR × CR
فـ Risk of Material Misstatement يمثل الخطر القائم في القوائم المالية قبل أن نضع إجراءات المدقق في المعادلة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم RMM بصورة أعمق. فالمخاطر لا تبدأ عندما يفتح المدقق ملف الاختبارات؛ إنها موجودة قبل أن يبدأ التدقيق أصلًا. طبيعة النشاط، وتعقيد المعاملات، وعدم التأكد في التقديرات، والحوافز الإدارية، وضغط الأداء، كلها قد تجعل بعض المعلومات أكثر قابلية للتحريف من غيرها. لذلك فإن المدقق لا يبدأ من السؤال: "ما الاختبار الذي سأجريه؟"، بل من سؤال أكثر جوهرية: "أين يكون عدم اليقين أكبر، وأين يمكن أن يصبح أثره جوهريًا؟"
■ لكن يستحق الأمر وقفة :
المعايير الحديثة لا تُلزم المدقق دائمًا بتقدير IR وCR كرقمين منفصلين يُضربان فعليًا؛ غالبًا ما يُقيَّم RMM كمفهوم مركّب واحد بالحكم المهني. وهذا يقودنا إلى تحفظ أعمق لا ينبغي تجاهله: النموذج الضربي بأكمله يفترض ضمنيًا أن IR وCR وDR متغيرات مستقلة إحصائيًا، بينما الواقع أكثر التباسًا من ذلك غالبًا؛ فضعف الرقابة الداخلية قد يكون هو نفسه انعكاسًا لارتفاع المخاطر الملازمة في بيئة معينة، لا سببًا منفصلًا عنها. لهذا يُنظر إلى المعادلة في الأدبيات المهنية بوصفها نموذجًا مفاهيميًا لتوجيه الحكم، لا معادلة قياس دقيقة يمكن التعويل عليها حسابيًا بمعزل عن السياق. وهذا لا يُفقدها قيمتها، بل يوضّح أين تكمن هذه القيمة بالضبط.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا في قراءة الرياضيات. فالمعادلة لا تصف عالمًا ميكانيكيًا تتحرك فيه المتغيرات بصورة مستقلة كما تتحرك الكتل في نموذج فيزيائي مثالي. في الواقع، قد تتفاعل المخاطر وتغذي بعضها بعضًا؛ فتعقيد التقدير قد يرفع المخاطر الملازمة، وضعف بيئة الرقابة قد يكون نتيجة مباشرة لتعقيد النشاط، كما أن ارتفاع مخاطر التحريف قد يفرض على المدقق إجراءات أكثر قوة. لذلك فالمعادلة ليست نسخة رياضية من الواقع، وإنما نموذج ذهني يختزل واقعًا أكثر تعقيدًا بهدف تحسين الحكم المهني. وقيمة النموذج لا تتوقف على مطابقته الكاملة للواقع، بل على قدرته على تحسين القرار مقارنة بالعمل من دونه.
ثم يأتي:
AR = RMM × DR
أي أن مخاطر التدقيق لا تتحقق بمجرد وجود تحريف جوهري، بل عندما يجتمع وجود التحريف مع فشل إجراءات التدقيق في اكتشافه، بما قد يقود إلى رأي غير مناسب.
وهنا تبدأ أهمية الضرب. في المنطق الاحتمالي، نحن لا نجمع الأحداث لمجرد أنها موجودة؛ بل نسأل عن الحدث المركب: ماذا يحدث عندما تتلاقى المخاطر؟ وهذا بالضبط ما تفعله المعادلة: تعبّر عن الاحتمال المشترك لفشل كل خط دفاع تباعًا، من طبيعة النشاط، إلى الرقابة الداخلية، إلى إجراءات المدقق نفسه.
لكن يجب ألا نرتكب خطأً شائعًا: هذه ليست معادلة فيزيائية نقيس بها الواقع بدقة مخبرية. مخاطر التدقيق ليست متغيرات مستقلة يمكن رصدها بميزان إلكتروني؛ إنها نموذج مهني لاتخاذ القرار تحت عدم التأكد. ولهذا فإن قيمة المعادلة ليست في الرقم الذي تنتجه، وإنما في السؤال الذي تفرضه على المدقق: إذا ارتفع RMM، فإن بقاء DR عند المستوى نفسه لم يعد منطقيًا. وبصياغة أبسط: كلما زاد ما أخشاه من وجود تحريف جوهري، قلّ ما أستطيع تحمله من احتمال ألا أكتشفه.
فإذا كان مستوى Audit Risk المستهدف ثابتًا، فإن
● مخاطر الاكتشاف DR = AR ÷ RMM.
ولنتخيل أن AR المستهدف 4%. عند RMM يساوي 20%، يكون DR المسموح به 20%. لكن إذا ارتفع RMM إلى 80%، ينخفض DR فورًا إلى 5%. المعادلة هنا لم تخبر المدقق بأي حساب يجب أن يفحصه، ولم تحدد له حجم العينة، ولم تقل له أي مستند يطلبه. لقد فعلت شيئًا أكثر أهمية: فرضت عليه إعادة تصميم استجابته عندما تغيرت طبيعة الخطر.
■ هنا تلتقي الرياضيات بالمحاسبة والتدقيق :
تكشف الرياضيات شيئًا مهمًا عن طبيعة التدقيق: المخاطر ليست متساوية القيمة، والاستجابة لها ليست ثابتة.
عندما يرتفع RMM، لا يستطيع المدقق أن يتصرف وكأن مستوى عدم اليقين لم يتغير. فإذا كان الخطر أعلى، فإن هامش الخطأ المقبول في إجراءات التدقيق يصبح أضيق. ولهذا فإن العلاقة الرياضية لا تقول للمدقق "اعمل أكثر"، وإنما تقول له شيئًا أدق: "عليك أن تقلل احتمال فشل إجراءاتك في اكتشاف التحريف إلى مستوى يتناسب مع الخطر الذي تواجهه."
فالرقم لا يعطي القرار؛ إنما يحدد العلاقة التي يجب أن يخضع لها القرار. أما الحكم المهني فيحدد كيف تتحول هذه العلاقة إلى إجراءات: طبيعة الاختبار، توقيته، مداه، قوة الدليل، الحاجة إلى إجراءات إضافية، أو إعادة تقييم الاستنتاج. ومن هنا نفهم لماذا لا يعني ارتفاع RMM ببساطة "اختبر أكثر"، بل يعني "اجعل إجراءاتك أكثر قدرة على خفض خطر عدم الاكتشاف". وهذا فرق جوهري: قد يكون لدينا ملف تدقيق ضخم، ومئات أوراق العمل، وآلاف العينات، ومع ذلك تكون الاستجابة ضعيفة إذا لم تكن هذه الإجراءات مرتبطة بالمخاطر الجوهرية. وفي المقابل، قد يكون الإجراء محدودًا في حجمه لكنه شديد القوة إذا استهدف التأكيد الصحيح، في الحساب الصحيح، وفي التوقيت الصحيح، وبالدليل المناسب. لذلك فإن التدقيق القائم على المخاطر لا يقيس كمية العمل فقط، بل يقيس كفاءة تحويل العمل إلى خفض في عدم التأكد.
وهنا يظهر RMM بوصفه أكثر من خانة في مصفوفة المخاطر؛ إنه نقطة التحول من فهم المنشأة إلى تصميم التدقيق، ومن السؤال "ما الذي يمكن أن يخطئ؟" إلى "ما الذي قد يخطئ جوهريًا؟"، ومن "كيف أفحص؟" إلى "ما الإجراء الذي يخفض خطر عدم اكتشافي للتحريف؟"، وصولًا إلى السؤال الحقيقي الوحيد الذي يهم في النهاية: هل أصبحت لدي أدلة كافية ومناسبة تجعل احتمال إصدار رأي غير مناسب منخفضًا بشكل مناسب؟
وهنا، في رأيي، تكمن فلسفة التدقيق بأكملها. فالمدقق لا يعمل في عالم اليقين؛ إنه يعمل في عالم الاحتمالات، والأحكام، والعينات، والتقديرات، وعدم تماثل المعلومات. والرياضيات تذكره بحقيقة قاسية: صفر مخاطرة ليس هدفًا واقعيًا. والمحاسبة تذكره بأن ليس كل خطأ مهمًا بالقدر نفسه. ومعايير التدقيق تفرض عليه أن يحول هذا الفهم إلى حكم مهني قابل للتبرير بالأدلة.
لذلك فإن المعادلة AR = IR × CR × DR ليست مجرد معادلة في كتاب تدقيق، ولا صيغة حسابية دقيقة بالمعنى الفيزيائي. إنها خريطة فكرية تقول للمدقق: إذا لم تستطع التحكم في كل مصادر الخطر، فعليك أن تفهمها أولًا، ثم توجه قدرتك المحدودة على الفحص إلى المكان الذي يمكن أن يؤدي فيه الفشل إلى تغيير رأيك. وهنا يصبح التدقيق علمًا لإدارة عدم التأكد، لا مجرد فن لفحص المستندات.

حين يكون الخلل في الاذن، لا في صوت العالمالمحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز يُحكى أن رجلا ظن أن زوجته تعاني ضعفا في ال...
12/08/2026

حين يكون الخلل في الاذن، لا في صوت العالم
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
يُحكى أن رجلا ظن أن زوجته تعاني ضعفا في السمع. استشار طبيب الأسرة، فنصحه بأن يقف على مسافات مختلفة منها ويتحدث إليها بصوت طبيعي، ثم يقترب تدريجيا إذا لم تُجبه. عاد الرجل إلى المنزل، فوجد زوجته في المطبخ، فسألها من مسافة بعيدة عمّا أعدّته للعشاء، فلم تُجبه. اقترب وكرر السؤال، ثم اقترب أكثر، حتى وقف خلفها مباشرة وكرر السؤال للمرة الأخيرة. التفتت إليه وقالت: «للمرة الخامسة أُجيبك: دجاج بالفرن».
لم تكن المشكلة في سمع الزوجة، بل في سمع الزوج.
قد تبدو القصة مجرد حكاية طريفة، لكنها تلامس مسألة جوهرية في العمل المهني: كيف يمكن لفرضية مبكرة أن تتحول من نقطة بداية للتحليل إلى عدسة نرى من خلالها كل الأدلة اللاحقة.
■ الفرضية ليست عيبا، لكن جمودها كذلك
المدقق لا يدخل مهمة التدقيق بلا توقعات أو فرضيات. هو يدرس طبيعة المنشأة وبيئتها، ويحدد ويقيّم مخاطر التحريف الجوهري، ثم يصمم إجراءات التدقيق استجابة لتلك المخاطر. وجود الفرضية جزء من التفكير المهني القائم على المخاطر. الخطر يبدأ عندما تتوقف الفرضية عن كونها فرضية.
فحين يلاحظ المدقق تغيرا غير معتاد في الإيرادات، أو حركة غير مألوفة في حساب، فهذه الملاحظة قد تقود إلى تقييم خطر معين، لكنها لا تمنحه سببا جاهزا لما حدث. الانحراف ليس سببا، والمؤشر ليس إثباتا، والاشتباه ليس استنتاجا نهائيا.
مثال توضيحي: يلاحظ المدقق ارتفاعا حادا في إيرادات الربع الأخير من السنة المالية. الفرضية الأولى التي تتبادر إلى ذهنه قد تكون "نشاط تسويقي ناجح" أو "موسمية معتادة". لكن لو اكتفى بهذا التفسير وطلب من الإدارة تأكيده كتابيا، ثم اعتبر هذا التأكيد دليلا كافيا، فإنه يكون قد استبدل الفرضية بالتحقق منها. أما المدقق المتشكك مهنيا فيختبر الفرضية نفسها: هل تتزامن الزيادة مع شحنات فعلية موثقة؟ هل توجد شروط إرجاع غير معتادة قرب نهاية الفترة تشير إلى تسجيل مبكر للإيراد؟ هل تتفق الزيادة مع نمط التدفقات النقدية اللاحقة؟ هنا فقط يتحول الافتراض من انطباع إلى استنتاج يمكن الدفاع عنه.
الاختبار الحقيقي للمدقق يظهر عندما تبدأ أدلة التدقيق بالوصول. هل يسمح لها بأن تغيّر تفسيره، أم يعيد تفسيرها حتى تنسجم مع ما قرره مسبقا؟
■ الشك المهني: ما هو وما ليس هو
الشك المهني ليس موقفا عدائيا من الإدارة، وليس افتراضا دائما بوجود الغش، وليس مجرد البحث عن التناقضات. هو استعداد ذهني لتقييم أدلة التدقيق تقييما نقديا، وعدم قبول تفسير لمجرد أنه يبدو منطقيا، والانتباه إلى احتمال وجود أدلة متعارضة، وعدم السماح لقناعة سابقة بأن تمنح بعض الأدلة وزنا أكبر مما تستحق.
والمشكلة الأدق ليست في أن يضع المدقق فرضية خاطئة، فهذا أمر طبيعي في بيئة معقدة. المشكلة أن يتوقف عن اختبارها. فليست كل وثيقة دليلا على كل شيء، وليست كل نتيجة تحليلية إثباتا لسبب الانحراف، وليست استجابة الإدارة بديلا عن أدلة أكثر موثوقية حين تتطلب طبيعة المسألة ذلك. قيمة دليل التدقيق لا تتحدد بوجوده فقط، بل بمدى كفايته وملاءمته في دعم الاستنتاج المرتبط بخطر التحريف.
■ حدود دور المدقق
هنا يجب أن يبقى المدقق واضحا في حدود دوره. المدقق الخارجي ليس مسؤولا عن تشخيص كل مشكلة تشغيلية في المنشأة، ولا عن إدارة عملياتها أو إصلاح نظامها الداخلي. هدف التدقيق هو تمكين المدقق من إبداء رأي حول ما إذا كانت القوائم المالية، من جميع الجوانب الجوهرية، معدّة وفقا للإطار المحاسبي المنطبق — لا إدارة المنشأة أو إعادة تصميمها. لذلك فإن ربط القصة بفكرة "البحث عن السبب الجذري" بصورة مطلقة لا يخدم السياق المهني؛ المسألة الأدق هي التمييز بين الملاحظة والاستنتاج، وبين مؤشر الخطر ودليل الإثبات.
السؤال الذي يحمي الحكم المهني
ماذا لو كان التفسير الذي بُني عليه التقييم الأول غير صحيح؟
هذا لا يعني الشك في كل شيء، ولا إعادة المهمة من الصفر كلما ظهرت معلومة جديدة. معناه ألا يمنح المدقق استنتاجه حصانة من المراجعة. فالحكم المهني القوي ليس الحكم الذي يبقى ثابتا مهما ظهرت من أدلة، بل الحكم الذي يصمد أمام الأدلة المخالفة، أو يتغيّر عندما تصبح تلك الأدلة أقوى من الاستنتاج السابق.
الرجل في القصة أجرى الاختبار عدة مرات، لكنه لم يختبر الفرضية التي بُني عليها الاختبار. كل نتيجة كانت بالنسبة إليه دليلا جديدا على ضعف سمع زوجته، بينما كانت في الحقيقة دليلا على ضعف سمعه هو. وفي التدقيق يمكن أن يحدث الأمر نفسه بصورة أكثر تعقيدا: قد تتوافر للمدقق تقارير ومصادقات واختبارات تفصيلية كثيرة، ومع ذلك لا تكون المشكلة في كمية الأدلة، بل في السؤال الذي يستخدم هذه الأدلة للإجابة عنه.

الإدارة تبدأ بفكرة، وتحوّل الفكرة إلى رؤية، والرؤية إلى رسالة واتجاه، والاتجاه إلى أهداف، والأهداف إلى استراتيجية، والاس...
10/08/2026

الإدارة تبدأ بفكرة، وتحوّل الفكرة إلى رؤية، والرؤية إلى رسالة واتجاه، والاتجاه إلى أهداف، والأهداف إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى خطط، والخطط إلى أرقام، ثم تعود الأرقام إلى الإدارة لتخبرها : هل نحن نسير فعلًا نحو ما أردنا أن نكون؟
وهنا فقط تتحول الموازنة: من ملف مالي إلى نظام إداري، ومن مجموعة أرقام إلى بوصلة، ومن التنبؤ بالمستقبل إلى صناعة المستقبل.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

لو سألت أي مسؤول تنفيذي عن رأيه في التدقيق ، فغالبا" سيجيبك دون تردد بأنه ضرورة، وأن الشفافية قيمة لا غنى عنها، وأن الرق...
10/08/2026

لو سألت أي مسؤول تنفيذي عن رأيه في التدقيق ، فغالبا" سيجيبك دون تردد بأنه ضرورة، وأن الشفافية قيمة لا غنى عنها، وأن الرقابة الجيدة تساعد المنشاة على تحسين أدائها. وهذا كله صحيح ما دام الحديث نظريا".
لكن حين يدخل المدقق فعليًا إلى أروقة المنشأة، ويتحول التدقيق من شعار إلى ممارسة، تتغير الحكاية قليلًا؛ فالمستندات التي كانت «جاهزة دائمًا» تحتاج إلى وقت، والأسئلة التي تبدو بسيطة تستدعي أحيانًا إجابات طويلة لا تجيب عن السؤال، والملاحظة المهنية قد تُستقبل وكأنها اتهام شخصي، واختبار الرقابة قد يُفهم باعتباره بحثًا عن المخطئ بدلًا من البحث عن موضع الضعف.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

Address

Baghdad

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المحاسبة فن وعلم posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to المحاسبة فن وعلم:

Shortcuts

Share