09/06/2026
موضوع سفن حفر البحار والمياه العميقة (Drillships) هو واحد من أدق وأعقد مجالات صناعة النفط والغاز، لأن هذه السفن بمثابة "مدن تكنولوجية عائمة" قادرة على الحفر في أعماق تتخطى 3,000 متر تحت سطح الماء، والوصول لأعماق سحيقة تحت القاع.
إليك تفصيل دقيق بخصوص الدول، الشركات، وموقف مصر وتركيا:
أولاً: الشركات والدول المالكة لسفن الحفر
في هذه الصناعة، هناك فصل بين "الشركات النفطية" (التي تملك الامتياز وتبحث عن الغاز/النفط) وبين "شركات المقاولات البحرية" (التي تملك السفن وتؤجرها). الغالبية العظمى من هذه السفن تملكها شركات قطاع خاص عالمية، وقليل جداً من الدول تمتلكها بشكل مباشر عبر شركاتها الوطنية.
1. أشهر الشركات العالمية الخاصة (المقاولين):
هذه الشركات هي التي تدير الأساطيل الأكبر وتؤجر سفنها للجميع:
Transocean: واحدة من أضخم الشركات وتملك أسطولاً كبيراً من سفن الحفر للمياه فائقة العمق (Ultra-Deepwater).
Valaris: تمتلك أسطولاً ضخماً وتعمل سفنها في مناطق مختلفة مثل الخليج الأمريكي والبحر المتوسط.
Noble Corporation: بعد اندماجها مع شركات أخرى، أصبحت لاعباً رئيسياً في سوق سفن الحفر المتطورة.
Seadrill و Saipem (الإيطالية): تمتلكان سفن حفر متطورة وعالية التقنية.
2. الدول والشركات الوطنية التي تمتلك سفن حفر:
الصين: عبر شركتها الوطنية المخصصة للحفر البحري COSL (تابعة لـ CNOOC)، وتمتلك سفن حفر ومنصات متطورة جداً لضمان أمن الطاقة لديها.
البرازيل: شركة Petrobras الوطنية تمتلك وتستأجر أساطيل ضخمة نظراً لأن معظم احتياطاتها تقع في مياه عميقة وفائقة العمق (Pre-salt).
تركيا: (سنتحدث عنها بالتفصيل بالأسفل).
ثانياً: تركيا.. هل تمتلك سفن حفر؟ نعم وبقوة
تركيا اتخذت استراتيجية مختلفة تماماً عن معظم دول المنطقة منذ عام 2017؛ حيث قررت الشراء المباشر للسفن بدلاً من الاستئجار، لتأسيس أسطول سيادي تديره "شركة البترول التركية" (TPAO).
تمتلك تركيا حالياً أسطولاً يضم 6 سفن حفر للمياه العميقة (مما يجعلها رابع أكبر أسطول سيادي من هذا النوع عالمياً)، ومعظمها سمي تيمناً بشخصيات تاريخية:
1 Fatih (الفاتح): أول سفينة حفر امتلكتها، وهي التي اكتشفت حقل غاز "صقارية" الضخم في البحر الأسود.
2 Yavuz (ياووز)
3 Kanuni (القانوني)
4 Abdülhamid Han (عبد الحميد خان): سفينة متطورة جداً من الجيل السابع.
5 Yıldırım (يلدريم) و Çağrı Bey (شاغري بيك): وهما أحدث سفينتين من الجيل السابع تم انضمامهما للأسطول (أواخر 2025 ومطلع 2026)، وتعمل سفينة "شاغري بيك" حالياً في مهمة استكشافية لصالح تركيا قبالة سواحل الصومال.
لماذا فعلت تركيا ذلك؟
الاستقلالية السياسية والأمنية: تركيا دخلت في نزاعات قانونية وسياسية حول ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص. الشركات العالمية كانت ترفض تأجير سفنها لتركيا في المناطق المتنازع عليها خوفاً من العقوبات أو المشاكل السياسية، فكان الحل التركي هو شراء السفن وفرض أمر واقع.
أمن الطاقة: الرغبة في تقليل فاتورة استيراد الغاز الضخمة بأسرع وقت بالاعتماد على الذات.
ثالثاً: مصر.. هل تمتلك سفن حفر؟ لا.. ولماذا؟
مصر لا تمتلك سفن حفر للمياه العميقة (Drillships).
الذراع الاستكشافي لمصر هي "الشركة المصرية للحفر" (EDC)، وهي شركة عملاقة وتستحوذ على حصة ضخمة من السوق، لكن أسطولها يتكون من أجهزة حفر برية، ومنصات حفر للمياه الضحلة (Jack-up Rigs)، وهي منصات ذات قوائم ترتكز على قاع البحر ولا تصلح للمياه العميقة (مثل مناطق حقل ظهر).
عندما تحتاج مصر للحفر في المياه العميقة بالبحر المتوسط، فإنها تعتمد على استئجار السفن العالمية عبر الشركاء الأجانب (مثل Shell و Eni و BP). على سبيل المثال:
مصر بدأت برنامجاً كبيراً للحفر في المتوسط، وتم استئجار السفينة العملاقة Stena Icemax لصالح عمليات شركة "شل".
كذلك تم الاستعانة بالسفينة المتطورة Valaris DS-12 لبدء حفر آبار غاز جديدة في مياه المتوسط.
لماذا لا تمتلك مصر سفينة حفر خاصة بها؟ (لماذا لا؟)
عدم امتلاك مصر لهذه السفن ليس عجزاً، بل هو خيار اقتصادي واستراتيجي مدروس مبني على طبيعة نموذج العمل المصري:
1 نموذج "اتفاقيات التزام البحث والإنتاج": مصر لا تخاطر بأموال دافعي الضرائب في رحلات استكشاف قد تفشل. النظام المصري يقوم على إعطاء رخصة الاستكشاف لشركات عالمية (مثل إيني أو شل)، والشريك الأجنبي هو من يتحمل كامل تكلفة ومخاطر الاستكشاف (بما فيها استئجار سفن الحفر التي تبلغ تكلفة إيجارها اليومي بين 400 إلى 500 ألف دولار). إذا تم اكتشاف الغاز، يتم استرداد التكاليف من الإنتاج، وإذا لم يُكتشف شيء، لا تخسر الدولة المصرية دولاراً واحداً.
2 التكلفة الرأسمالية المرعبة: شراء سفينة حفر مياه عميقة حديثة (من الجيل السابع مثلاً) يتراوح بين 600 إلى 900 مليون دولار للسفينة الواحدة، يضاف إليها تكاليف صيانة وتشغيل يومية باهظة جداً، وتحديث مستمر للتكنولوجيا التابعة لها كأجهزة الروبوتات البحرية (ROV).
3 إشكالية التشغيل الدائم: لكي تكون السفينة مجدية اقتصادياً، يجب أن تعمل 365 يوماً في السنة دون توقف. إذا أنهت مصر حفر آبارها الخاصة وظلت السفينة راسية بدون عمل، ستتحول إلى "ثقب أسود" يستنزف ملايين الدولارات صيانةً وأجوراً. الشركات العالمية تؤجر السفينة لمصر لشهور، ثم تنقلها للبرازيل أو غرب إفريقيا، وهو ما يوفر مرونة لا تملكها الدول بمفردها إلا لو كان لديها برنامج حفر قومي متواصل لعقود (مثل البرازيل أو تركيا حالياً).
4 العلاقات القوية مع الشركات العالمية: مصر تمتلك شراكات تاريخية ومستقرة مع كبرى شركات الطاقة في العالم، وتعتبر سوقاً جاذباً ومستقراً لهم، وبالتالي ليست بحاجة لشراء معدات بنفسها طالما أن كبرى الشركات مستعدة لجلب أفضل المعدات والعقول للحفر في المياه المصرية على نفقتها الخاصة.
باختصار: تركيا اشترت السفن لأنها أُجبرت سياسياً على ذلك لكسر الحظر غير المعلن عليها في المناطق المتنازع عليها، بينما مصر تفضل استئجارها وتوفير هذه المليارات، تاركةً مخاطر الحفر المالي والتكنولوجي على عاتق الشريك الأجنبي وفقاً للعرف التجاري العالمي الأوسع انتشاراً.